محمد متولي الشعراوي
1342
تفسير الشعراوى
القادر ، وفينا العاجز ، فقد أراد اللّه لنا أن نعرف أن القدرة ليست لازمة في الخلق . فإن قدرت الآن فقد تسلب - بضم التاء - منك هذه القدرة ، وما دامت القدرة يتم سلبها ، فلا بد أن يتمسك المؤمن بالقيوم الذي يقيم القدرة لك أيها المؤمن دائما ، وذلك حتى يعرف الواحد منا أنه لم ينفلت من ربه ، خلقنا قادرين وانتهت المسألة . لا . إنّ القدرة أغيار تذهب وتجيئ . وما دامت الأغيار تذهب وتجيئ فلا بد أن يضع المؤمن نصب عينيه عطاء القادر الأعلى . وقلنا سابقا : إن اللّه جعل المنفقين وصفا من أوصاف الذين اتقوا ، والذين أعد اللّه لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وذلك حتى يحمى اللّه الضعيف الذي خلقه اللّه لحكمة في الوجود . إن الإنفاق ليس أخذا من العبد ، إنما هو مناولة ، هذه المناولة تتضح في أنه ما كان لك ما يزيد عن حاجتك ، إلا بحركتك في الحياة . وهذه الحركة في الحياة تتطلب عقلا يخطط للحركة وجوارح تنفذ المخطط الفكري ، ومادة يتم الفعل فيها سواء كانت أرضا تتم زراعتها ، أو آلة يتم الصنع بها ، ولا شئ للإنسان من هذا في الكون . إن المخ الذي يدبر هو عطاء من اللّه ، والطاقة التي تنفذ هي عطاء من اللّه . ونحن نرى في الحياة إنسانا قد نزع اللّه عنه المخ الذي يفكر ويدبر ، ونجد إنسانا آخر قد نزع اللّه منه الطاقة التي تنفذ ، فقد يمنع اللّه عن عبد المادة التي يتفاعل معها . إذن ، فلا شئ من هذه الأشياء ذاتي للإنسان ؛ إنها كلها عطاء من اللّه . فليعمل المؤمن مضاربا عند اللّه ، وليعط المؤمن للعاجز حق اللّه . إن اللّه لا يأخذ هذا الحق لنفسه إنما يريده اللّه لأخيك العاجز ، وسوف يطلب اللّه هذا الحق لك إذا عنّت لك حاجة بسبب الأغيار . هكذا تكون « المنفقين » صفة من صفات الذين اتقوا ربهم . والحق سبحانه وتعالى قد جعل في الصبر ، صلابة اليقين الإيمان في النفس البشرية . وفي الصدق انسجاما مع واقع لا إله إلا اللّه ، وفي النفقة حماية العاجز الذي لا يقدر . وبعد ذلك يعود إلى نفس المؤمن عودة أخرى فيقول : « وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ » إننا يجب أن نأخذ هذا الوصف بعد مجيىء الأوصاف الأخرى في النفس البشرية . البداية